Search

الجغرافيا السياسية لليبيا في ظل القانون الدولي العام


بعد نجاح الثورة الليبية ومقتل القذافي كان من المفترض ان تعاد هيكلة الدولة الليبية ويتم بناء ليبيا جديدة على أسس ديموقراطية، ولكن الموضوع اخذ شكلاً مختلفا وبدأت جهات كثيرة غير حكومية وغير مركزية في الظهور فرضت سيطرتها علي المحليات والثروات الليبية، مما زاد نفوذها بشكل كبير في نطاق سيطرتها وعلي حساب مركزية الدولة الليبية. وساد البلد ضروب من الحروب فكان هنالك حرب على الارهاب وحرب بالوكالة ومن ثم حرب أهلية مستمرة حتى يومنا هذا.





سببت تلك الظروف العصيبة مشاكل للدولة الليبية ككيان مركزي وأيضاً لجيرانها، سواء أكانوا جيراناً مباشرين مثل تونس ومصر والجزائر أو جيران غير مباشرين، آي من الناحية الاخرى من البحر المتوسط، وذلك بسبب الإرهاب والتوسع الكبير لتنظيم داعش هناك وبالتالي محاولة عبور الاف اللاجئين من ليبيا لأيطاليا بدون رقابه. وعليه تخلل الصراع الليبي تدخلات خارجية وبدأ الصراع ياخذ شكل دولي واصبح أطول واخطر مما كان متوقع بحيث كان من الممكن ولازال من الممكن دخول مصر وتركيا في نزاع مسلح غير دولي علي الأراضي الليبية وذلك لدعمهم المباشر لاطراف الصراع هناك. الي ان جاء مؤتمر برلين كمحاولة لأنهاء الصراع القائم بين الاطراف هناك.

الاحداث ما بعد الثورة اليبية

في 2011 وخلال ما يسمي بالربيع العربي قامت ثورة في ليبيا ضد القذافي الذي حكم البلاد لمدة 42 عام، ثم تحولت تلك الثورة بعد ذلك لحرب أهلية بين القبائل حتي اصبحت لغة الصراع وفرض السيطرة هما المتحكمين في الوضع هناك. ثم في عام 2012، تم انتخاب ما يسمى بالمؤتمر الوطني العام، والذي سيطر عليه الإسلاميين السياسيين والإخوان، وكان من المقرر ان يكتب الدستور الليبي الجديد وينظم انتخابات رئاسية ومن ثم تنتهي ولايته في 2014.


ظهور حفتر لساحة الصراع

لكن ما حدث أن المؤتمر الوطني العام قرر يمد لولايته عام اخر، وهنا خرج اللواء خليفة حفتر وفاجئ الناس ببيان يخاطب فيه قوات الجيش الليبي والشعب يحرضهم فيه علي رفض إجراءات المؤتمر بالكلية، وبناء علية ان يطالبوا بتشكيل حكومة انتقالية تشرف على الانتخابات. عن حفتر، فهو لم يكن في وقت اعلانه للبيان قائدا للجيش او حتي ذو خدمة، كان حفتر من المعارضين القدامى للقذافي وكان يقيم في التشاد ورجع ليبيا في 2011 ليشارك في الحرب ضد القذافي ومن ثم اختفى بعد ذلك حتي وقت اعلان البيان. عن البيان، لم ينل اي استجابة ملموسة على ارض الواقع، ووصفه رئيس الوزراء الليبي علي زيدان بأنه محاولة انقلابية سخيفة. أما لاحقاً وعلي أرض الواقع، البيان حقق لحفتر شهرة وجعله مركز التقاء للمعارضين من الجيش والقبائل والذي اتاح له مخاطبتهم واقناعهم بعزل المؤتمر. حتي عين حفتر قائدا للجيش بقرار من البرلمان المنعقد في طبرق، وحظى حفتر بتموين وتمويل داخلي وخارجي واستطاع السيطرة علي بعض المدن.


بداية الانقسام

في عام 2014 انعقدت انتخابات البرلمان وخسر التيار الاسلامي خسارة كبيرة، حيث حصلوا على 23 مقعد فقط من اصل 200 مقعد، وانطلقت بعدها موجة عنف واغتيالات واشتباكات في بني غازي وطرابلس، وبسببها قرر نواب البرلمان الجديد نقل مقره إلى مدينة طبرق أقصى الشرق وبرروا تلك الخطوة بالخوف على سلامتهم. وعلية حكمت المحكمة الدستورية في طرابلس ببطلان

البرلمان طالما انه لم ينعقد في طرابلس، وبناء علي هذا الحكم، رجع المؤتمر الوطني العام للعمل وعين حكومة عرفت بحكومة (الحاسي). أما عن البرلمان الموجود في طبرق كان الرد ان حكم المحكمة الدستورية جاء تحت تهديد السلاح، وعلية فحكمها في هذا الصدد باطل، وعندا قاموا بتعيين حكومة عرفت بحكومة عبدالله الثني. حيث كانت تلك هي بداية الانقسام الفعلي ووجود حكومتين علي الاراضي الليبية.


اتفاق الصخيرات

في يوليو 2015، ، حصل تدخل سياسي دولي انتهى لاتفاق الصخيرات وكان هدفه اقتسام السلطة، وأدى الأتفاق لتشكيل حكومة وفاق وطني برئاسة فايز السراج في فبراير 2016، وحصلت الحكومة على الاعتراف الدولي وثقة 100 عضو من برلمان طبرق. كان من المفترض أن ينهي اتفاق الصخيرات الانقسام وان تعتمد حكومة السراج كحكومة شرعية لكافة الأطراف ورجوع برلمان طبرق للعاصمة طرابلس، لكن ذلك لم يحدث، والبرلمان انقسم الي نواب رجعوا الي العاصمة طرابلس ونواب ظلوا في طبرق، وكل طرف صمم انه الحاكم الشرعي الوحيد للبلاد.

التحليل طبقا للقانون الدولي

من منظور القانوني الدولي يصعب حسم من هو الطرف المعترف به دولياً في ليبيا، ولكن من الممكن حسم المشكلة بشكل عام طبقا لذلك المنظور. اذا أعتبرنا ان ليبيا في طريقها لتكوين دولة جديدة، هنا القانون الدولي يقر ان حدوث تلك الحالة يتم طبقا لواقع معين وامتثال لقواعد معينة، والذي بترجم الي معايير دولية تنص علي كيفية إقامة دولة والمتمثلة في اتفاقية مونتيفيديو (1933)، والتي نصت على أن الدولة تتكون لها شخصية دولية بعد استيفاء اربع شروط 1 سكانًا دائمين و2.إقليمًا محددًا و3.حكومة و4.وقدرة على إدارة العلاقات الدولية. تلك المعايير وصفية وارشادية وعرفية اكثر من كونها قانونية ملزمة.


وجود سكان ووجود أقليم هم معياريين واضحين ولاخلاف عليهما في الوضع الليبي، أما المعيارين الثالث وهما محل الخلاف: معيار الحكومة والمقصود به سلطة ذات سيادة شرعية ومعيار قدرة علي إدارة العلاقات الدولية المقصود به هو تمثيل ليبيا دوليا مثلا في الأمم المتحدة. ولكن من هي تلك السلطة في ليبيا؟ في عامي 2014 -2015 برلمان طبرق المتحالف مع حفتر كان هو الجهة المعترف بها دوليا، وبعدها اختلف الوضع واصبحت حكومة السراج هي المعترف بها دوليا بعد اتفاق الصخيرات. حاليا طرف السراج يدعي انه صاحب الشرعية الدولية بأتفاق الصخيرات، وان فترة البرلمان المنتخب أنتهت أساسا، فيرد الطرف التاني ان اتفاق الصخيرات انتهت شرعيته لانه كان مرتبط بجدول زمني والذي يعني ان وجودة كان مرهون بانعقاد انتخابات جديدة والتي حصلت بالفعل، اذا فهو منتهي. بعد سنتين وفي 2017، وعندما وقع السراج مع أردوغان الإتفاق الأخير، دفع برلمان طبرق ان ببطلان ذلك التوقيع بنص إتفاق الصخيرات نفسه، لأن الإتفاق لا يمنح رئيس الوزراء سلطة إبرام الإتفاقات الدولية إلا بعد موافقة البرلمان والذي بدوره قام برفضه، وعليه قامت حكومة السراج بعقد جلسة برلمان عكسية.

حاليا جزء من الشعب الليبي والارضي الليبية يدعم حفتر وجزء من الشعب والأراضي الليبية يدعم السراج، اي انه من الممكن ان يكون الاثنين شرعيين او غير شرعيين ، ومن الممكن خروج ليبيا من هذا الصراع الي أكثر من دولة و ذلك ما يدعمه التاريخ وسياق ليبيا وما فيها قبائل حيث من المعتاد أن تتنافس أو تتقاتل مدن الشرق مع قبائل ومدن الغرب، وبعض المحللين يرجعوا ذلك الصراع لحروب حدثت منذ 400 سنة. تاريخيا لم تكن ليبيا يوما دولة مركزية مثل الشكل المصري، لان كانت ليبيا عندها 3 أقاليم: طرابلس وبرقة وفزان وكان دور القبائل فيها حيوي ومستقل. سيطر القذافي علي الوضع بطريقة غير مستدامة وعليه فأما ظهور شخص جديد لتوحيد البلاد، أو علي ليبيا الإستسلام للوضع الجديد: وجود دولتين.


التدخل العسكري الأجنبي

اي تدخل عسكري أجنبي يعتبر غير قانوني عامة وخاصة لوجود قرار مجلس الأمن لسنة 2011 والذي يمنع منعا باتا تصدير السلاح للبيا أو التدخل العسكري فيها. حسب تقرير فريق خبراء مجلس الأمن الأخير،الطرفين الليبين خالفوا قرار مجلس الأمن، عندما حصل حفتر على دعم عسكري ومادي من مصر والإمارات وحصل علي سلاح وتدريبات من الأردن، وعندما حصل السراج علي دعم شبية من تركيا. حتى سمعنا التصريحات الأخيرة للرئيس التركي أردوغان عن البدء التدريجي في إرسال قوات تابعة لتركيا إلى ليبيا، و أخبار خطة إرسال مسلحين سوريين. وكل ذلك لا يعد قانونياً، ولا يصب في مصلحة ليبيا بأي شكل من الأشكال. ولكن لماذا لا للدعم العسكري من وجهة نظر دولية؟ ذلك لأن الكلفة الإنسانية عالية جدا في ظل الحرب، وايضاً التكلفة الأمنية الأعلي. حرب من هذا النوع من الممكن أن تهدد حدود البلاد المجاورة وتعطي مساحة للإرهاب الموجود في المنطقة للتغلغل والسيطرة، وقد تعطي مساحة لنشئة أرهاب أخر، في منطقة متكدسة بالأرهاب.


ما هو الوضع الحالي؟

علي المستوي الدولي أثبت التاريخ الحديث أن الحلول السياسية هي الأنسب في تلك المواقف، وهذا ما قام به بالفعل وزراء خارجية

مصر وفرنسا وإيطاليا واليونان وقبرص في القاهرة كتحركات سياسية لأحتواء الموقف – وفي هذا الاطار ظهر التأكيد علي أهمية مؤتمر برلين. خلال المؤتمر، الدول الرئيسية المعنية بالنزاع الليبي تعهدت بالتزام حظر إرسال الأسلحة إلى ليبيا وعدم التدخل في الوضع الليبي. وعلية تم التوقيع على إتفاق لأحترام قرار مجلس الأمن عن حظر التسليح ووقف الدعم العسكرى للأطراف المتنازعة فى ليبيا وعن الامتناع عن تمويل القدرات العسكرية لديهم. الإتفاق أشار أنه يجب ان توجد نية لوقف دائم لإطلاق النار، وذلك من خلال تشكيل لجنة عسكرية وإدماج ممثلين من جميع الأطراف، ومن ثم عرض تلك الآلية على مجلس الأمن لأعطائها ثقل دولي أكبر.


هل يبدأ السلام في ليبيا الآن بعد التوافق الذي ظهر في مؤتمر برلين؟

وسائل إعلام ألمانية ردت ب"لا" لأن "الطريق لا يزال طويل حتى يتحقق السلام في ليبيا". هل ذلك يعني فشل المؤتمر؟ المتحدث بأسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك قال في البيان بتاعة خلال المؤتمر الصحفى والذي تم إنعقاده بعد مؤتمر برلين، أن الدول والمنظمات الإقليمية والدولية أكدت جميعاً أنها ملتزمة بدعم حل سلمى للأزمة الليبية، وبإن الوضع سيعالج بسشكل سلمي. المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بينت تقائلها بالنتائج وقالت إن المؤتمر يمثل "خطوة صغيرة إلى الأمام" نحو السلام، وقالت ايضا : "اتفقنا علي خطة شاملة، والجميع موافقون على أنه يجب احترام حظر الأسلحة ومراقبتها بشكل أقوى من الماضي". و لما سؤلت هل تم الإتفاق مع روسيا وتركيا حول موضوع حظر التسليح، ردت ميركل: "اتفقوا ان في المستقبل لن يكون هناك دعم للأطراف بالأسلحة"، وقالت "انهم لم يناقشوا العقوبات لانتهاكات حظر الأسلحة اليوم" مما يعني عدم وجود ضمانات حقيقية لتنفيذ الالتزام، وهذاما قاله خالد المنتصر أستاذ العلاقات الدولية لوكالة فرانس برس: "على الورق، نجحت قمة برلين، وتناولت كل تفاصيل الأزمة الليبية وأسبابها. لكن آليات تطبيق نتائج القمة ليست اضحة.


في الختام

علينا أن نترقب نتائج إنعقاد اللجنة العسكرية المشتركة بين حكومة الوفاق والجيش الوطني الليبي. الان يرى البعض أن المؤتمرلا يعتبر حل كامل للازمة السياسية، خصوصا مع وجود اشتباكات متقطعة في جنوب طرابلس، كما ان قوات حفتر منعت النفط عن حكومة الوفاق، ولكن دعونا نلقي نظرة تفاؤلية عن دور القانون الدولي والعلاقات الدولية في تحويل حروب عسكرية لحروب كلامية ودبلوماسية، حيث قرب مؤتمر برلين وجهات النظر بين الاطراف المعنية، وطرح أرضاً حرب كانت شبه مؤكده علي الأراضي الليبية.


بقلم وليد الفرس ساهم في البحث كل من مصطفي جمال وسيف الله محمد


المصادر

أثر الجغرافيا والديموغرافيا في الصراع والحل في ليبيا، أ.إسماعيل رشاد

أول اقتراع حُـرّ منذ نصف قرن: انتخابات تاريخية في ليبيا في ظل مخاوف جمّة بقلم رشيد خشانة -2012


مصير السلام في ليبيا لا يزال غامضاً بعد مؤتمر برلين


الصفحة الرسمية لوزارة الخارجية المصرية


ليبيا: المشير خليفة حفتر يعتبر اتفاق الصخيرات "منتهي الصلاحية"


الموقف المصري: التوتر المصري التركي .. إيه اللي بيحصل في ليبيا والمتوسط؟


خريطة حكم ليبيا اليوم بين حكومتين .. ومليشيات متناحرة - الين حلاق


أهم بنود اتفاق الصخيرات الليبي


Competitive Statehood in Libya: Governing Differently a Specific Setting or Deconstructing its Weak Sovereign State with a Fateful Drift Toward Chaos? Droz-Vincent, Philippe 2018


Montevideo Convention on the Rights and Duties of States1933


Division or Attraction: An Overview of Libya’s Future after Gaddafi Nicolai Due-Gundersen 2013




23 views
  • Facebook Social Icon
  • Instagram
  • LinkedIn Social Icon
  • YouTube Social  Icon
  • Twitter Social Icon