Search

نصوص غير دستورية فى القانون المصرى!

Updated: Mar 29


تدور الدولة القانونية وجودًا وعدمًا مع الدستور، فهو النُبراس والنموذج الذى تسير على دربه القوانين واللوائح فى الدولة فإن حادت عن هذا الدرب يكون مصيرها الإلغاء. ولا مراء فى صعوبة هذه المهمة وثقلها، لذلك عهد القانون رقم 48 لسنة 1979 المعدل بالقانون رقم 78 لسنة 2019 إلى أعلى محكمة موجودة على إقليم جمهورية مصر العربية وهى المحكمة الدستورية العليا بهذه المهمة. ولكن بالرغم من وجود محكمة مختصة تراقب دستورية القوانين واللوائح ألا أن مازلت هناك نصوص قديمة لكنها سارية قد تكون مشوبة بعيب عدم الدستورية.

قد يعود ذلك لعدة أسباب؛ ربما يعود ذلك إلى القصور التشريعى فى اختصاص المحكمة، حيث لا يمكن رفع دعوى مبتدأة أمام هذه المحكمة كغيرها من المحاكم، أو علي الأقل هو أحد الأسباب. يمكن الرد على طرحى بأن ذلك القصور هو اختيار عملى يهدف إلى منع تراكم الدعاوى أمام المحكمة العليا، ألا إنى أرى أن ذلك يغلق الباب أمام الطريق الأساسى لنظر الدعاوى وهو رفعها بصورة مبتدأة. وعلى أية حال، نحن فى هذا المقام لا نناقش اختصاص المحكمة الدستورية العليا إنما نبتغى أن نوجه أنظارها لبعض النصوص التى ارتأى لنا أنها مشوبة بعيب عدم الدستورية، إلى دليل فعلى على وجود نصوص سارية ولكنها مشوبة بعدم الدستورية. لا يعد ذلك إتهام في نزاهة المحكمة ولكن هو اجتهادًا شخصيًا قد يحمل الخطأ والصواب، الهدف منه هو خلق بيئة قانونية صحية ترتضيها متطلبات دولة القانون. وتفريعًا من ذلك نسرد تلك النصوص التى نرى أنه من الواجب على المحكمة أن تحكم بعدم دستوريتها.





أولًا: المادة 17 من قانون تنظيم السلطة القضائية 46 لسنة 1972

حظر نص المادة 17 من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 197 من نظر أعمال السيادة، والذى فى نظرنا يأتى مخالفًا لنص المادة 97 من الدستور الحالى. جاء نص المادة 17 كالأتى: "ليس للمحاكم أن تنظر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة فى أعمال السيادة..." كما هو مكتوب حظر نص هذه المادة بطريقة مباشرة نظر أعمال السيادة التى تقوم بها السلطة التنفيذية إزاء مباشرة اختصاصها. وذلك في وجود المادة 97 من الدستور المصرى الحالى والتى تقول بصريح نصها: "التقاضى حق مصون ومكفول للكافة. وتلتزم الدولة بتقريب جهات التقاضى، وتعمل على سرعة الفصل فى القضايا، ويحظر تحصين أى عمل أو قرار إدارى من رقابة القضاء...". وكما هو مبين هنا أيضاً حظر الدستور من تحصين أعمال السيادة من رقابة القضاء، وهي طائفة الاعمال التي تقوم بها السلطة التنفيذية ولا يمكن الطعن عليها أمام الجهات القضائية سواء كان ذلك بالالغاء أم بالتعويض. ذلك ما أشار إليه العديد من الفقهاء الدستوريين حيث أجمعوا أنه يجب الا يؤخذ بنظرية أعمال السيادة فى مجال رقابة المحكمة الدستورية العليا، وعليه يجب أن تشمل رقابتها سائر القوانين واللوائح حتى ما يتصل منها بالعلاقة بين السلطات أو بالعلاقات الدولية، وذلك تأكيدًا على مبدأ سيادة القانون".[1]

فى نظرى يتمخض هذا الرأى فى أن تحصين أى عمل أو قرار إدارى يعد انتهاكًا لنص الدستور ومخالفة لمبدأ سيادة القانون، ولا ينعى فى ذلك ما ساقته محكمة القضاء الإدارى عندما أرادت تبرير حظر الرقابة على أعمال السيادة أن هذه الأعمال من قبيل الأعمال المادية تباشرها السلطة التنفيذية بصفتها سلطة حكم لا سلطة إدارة.[2] حيث أن نص الدستور جاء عامًا مطلقًا لبسط الرقابة على كافة الأعمال سواء مادية أو إدارية فلا يجوز تخصيصه بغير مخصص بأن نقول أن نص الدستور يقصد الأعمال الإدارية فقط دون المادية، فالنص الدستوري واضح لا لبس فيه. لذلك نتمنى إعادة النظر فى نص المادة 17 من القانون 46 لسنة 1972 والتأكد من عدم مخالفتها لنص المادة 97 من الدستور الحالى. لا يمكن للمحكمة الدستورية أن تغمض عينها عن ذلك التعارض الذي يهمش صراحة نص الدستور ويتعدي عليه.


ثانيًا: المادة 1 من قانون فض المنازعات رقم 7 لسنة 2000

تضع المادة 1 عائق إجبارى أمام المتقاضى فى دعوى إلغاء القرار الإدارى بإلزامه بالمرور بلجان تسمي لجان التوفيق أو لجان فض المنازعات وهى لجان غير قضائية فرضتها المادة 1 علي المتقاضين، والذى في نظرنا يأتى أيضًا مخالفًا لنص المادة 97 من الدستور الحالى. حيث جاءت المادة 1 كالأتى: "ينشأ فى كل وزارة أو محافظة أو هيئة عامة وغيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة لجنة أو أكثر للتوفيق فى المنازعات المدنية والتجارية والإدارية..." حيث تأتى تلك المادة مخالفة لنص المادة 97 من الدستور القائلة بأن "تلتزم الدولة بتقريب جهات التقاضى، وسرعة الفصل فى القضايا...". ولكن كما هو جلى يضع هذا القانون عائق إجبارى أمام المتقاضى فى دعوى إلغاء القرار الإدارى من شأنة إطالة أمد المنازعة. "ويعد ذلك – حتمًا – قيدًا غير دستورى على حق التقاضى"[3] لأنه يتعارض مع نص المادة 97 من الدستور التى تنص على سرعة الفصل فى القضايا وهو الذى تععارضه المادة 1 من قانون فض المنازعات، لا سيما أن هذا العائق الذى تضعه المادة 1 هو غير قضائي فى الأصل حيث لا تعتبر لجان التوفيق جزءًا من السلطة القضائية وذلك بنص المادة 9 من ذات القانون على أن قرارات هذه اللجنة غير ملزمة، وبالرغم من ذلك وضع هذا القانون حائط يُطيل به أمد النزاع وإبطاء سرعة الفصل فى القضايا وهو اللجوء إلى لجان التوفيق, وذات القانون يعترف بذلك حيث قرر بنص المادة 11 منه أن مجرد إقتران صحيفة الدعوى بطلب وقف التنفيذ يُخرِج النزاع من اختصاص هذه اللجان والعلة فى ذلك واضحة هى أن طلبات وقف التنفيذ تقتضى سرعة الفصل فيها وهو ما لا يتوافر فى ظل هذه اللجان، فما الفائدة التى تعود على المتقاضى من اللجوء إلى هذه اللجان قبل عرض دعواه على قاضيه الطبيعى. يعد ذلك تزيدًا غير مبرر فى إطالة أمد النزاع وبطئ الفصل فى الأحكام، ومثال أخر مخالفًا لنص المادة 97 من الدستور الحالى.





ثالثًا: المادة 107 من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937

المادة 107 من قانون العقوبات تعطى إمكانية لإعفاء الراشى والوسيط دونًا عن المرتشى الذى لا يمكن إعفاءه في حالة اعتراف كليهما أو أحدهما بتفاصيل الجريمة، والذى فى رأينا يعد إنتهاكًا واضحًا وغير مبرر لنص المادة 53 من الدستور الحالي والتى ترسخ مبدأ المساواة بين الأفراد. حيث تنص المادة 107 عقوبات على: "...ومع ذلك يُعفى الراشى أو الوسيط من العقوبة إذا أخبر السلطات بالجريمة أواعترف بها" والمقصد من هذه المادة واضح وهو أن الراشى والوسيط يمكن لهم الاعتراف بتفاصيل الجريمة بعد كشفها حتى يتم إعفائهم من العقوبة دونًا عن المرتشى الذي لا يمكن إعفاءه فى حين تساويهم وتشاركهم فى الجريمة. وذلك فى وجود النص الدستورى القائل فى مادته 53: "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعى، أو الجغرافى، أو لأى سبب أخر ...".

ولا نخفي عليكم ما أثارته المادة 107 من جدل فى الوسط الفقهى القانونى. حيث رأى بعض الفقهاء إنها وسيلة فعالة لكشف الجُرم السرى الذى يرتكبه الموظف العام، وإن كان هذا التبرير يبدو منطقي، فأنة ليس كامل حيث أنه لم يبرر مدى تناسق تلك المادة مع الدستور. وكان الرد علي ذلك الدفع هو أنه وإن كان من المقبول قديمًا أن الاعتراف هو الوسيلة الفعالة لكشف الجريمة ألا أنه مع التطور التكنولوجى وزيادة مُكنات السلطات الضبطية يصعب معه التسليم بهذا الرأى، خاصة وأن هذا الاعتراف يعفى جانى من عقوبة قد تصل إلى سبع سنوات على الرغم من أن شريكه فى الجريمة سوف ينال تلك العقوبة. ولذلك يرى معارضوا تلك المادة أن وسائل كشف الجرُم لا يمكن أن تبرر قانونيًا أو حتى منطقياًا الإعفاء من العقوبة خاصة وأن الراشى والوسيط والمرتشى على قدم المساواة من حيث ارتكاب الجُرم والقول بغير ذلك يتنافى مع قواعد العدالة والمساواة المُبتغاه من القانون، ويخالف بكل تأكيد نص من نصوص الدستور. ولهذه الأسباب التى سقناها تم بالفعل الدفع بعدم دستورية هذا النص لكن قُضى فى الدعوى بعدم القبول لانتفاء شرط شكلى دون النظر فى الموضوع، وعليه بقى الحال كما هو عليه. وبقاء تلك المادة كما هى حتى الآن قد، وكما أشرنا في المقدمة، يكون سببه عدم أمكانية رفع دعوى مبتدأة أمام المحكمة الدستورية.


رابعًا: المادة 12 من قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958

تحرم المادة 12 من قانون الطوارئ الشخص المحكوم عليه من محاكم أمن الدولة من إمكانية الطعن على الحكم أمام محكمة أعلى درجة، والذى يعتبر غير دستورى لأنه يُفعل نهائية حكم أول درجة. ذلك لأنه يتعارض مع مبدأ التقاضى على درجتين. تنص المادة 12 من القانون سالف الذكر أنه "لا يجوز الطعن بأى وجه من الوجوه فى الأحكام الصادرة من محاكم أمن الدولة ولا تكون الأحكام نهائية إلا بعد التصديق عليها من رئيس الجمهورية". ولكن مقتضيات العدالة أوجبت أنه حتى يتم التثبت من صحة الحكم الصادر فى حق المحكوم عليه أن تكون هناك محكمة أخرى تتأكد من ذلك وهو مايسمى بمبدأ التقاضى على درجتين، وبالرغم أن هذا المبدأ غير منصوص عليه صراحة فى الدستور الحالى ألا أنه مبدأ دستورى لا تستطيع العدالة أن تغض بصرها عنه. وإذا كان نص المادة المذكورة عليًا يناقض مبدأ التقاضى على درجتين مما يستحيل معه تدارك خطأ محكمة أول درجة - إن هى أخطأت - وبالتالى ننادى بتدخل المحكمة الدستورية العليا، خاصة وأن الدستور تحرك بالفعل فى هذا الاتجاة بالفعل وبدأ يأخذ تدابير جدية فى شأن مبدأ التقاضى على درجتين بالنسبة للجنايات. يدلل على ذلك نص المادة 240 من الدستور الحالى: "تكفل الدولة توفير الإمكانيات المادية والبشرية المتعلقة باستئناف الأحكام الصادرة فى الجنايات، وذلك خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور، وينظم القانون ذلك". يأتى هذا التلطيف فى الجنايات التى مقرر لها أصلًا الطعن بالنقض على خلاف محاكم أمن الدولة التى لا يتقرر لها أى طريق للطعن سواء عادى أو غير عادى بصريح نص المادة سالفة البيان وبالتالى هى الأولى بذلك.


الخاتمة:

يُحتم علينا ضميرنا كقانونيين أن نعاون منظومة العدالة لأن تأخذ مجراها وهذا ما دفعنا إلى الإشارة إلى تلك النصوص التى استشعرنا منها شبهة عدم الدستورية. حيث لا يجوز تحصين أى عمل إدارى من رقابة القضاء مهما كانت أهميته من ناحية أولى، ولا يجوز أن نضع معوقات تمنع صاحب الحق من اقتضاءه من ناحية ثانية. لا يجوز أن يُعفى مجرم من الجريمة لمجرد اعترافه فالاعتراف دليل للادانة وليس البراءة من ناحية ثالثة، ولا يجوز أن نضرب بضمانات العدالة عرض الحائط بأن نمنع المحكوم عليه من الطعن على الحكم ذلك من ناحية رابعة، وهذا هو ما أوضحناه تفصيلًا فيما سبق.

بقلم عبدالرحمن علي و وليد الفرس

المصادر:-

(1): الدكتور عاطف البنا صفحة 254

(2): حكم 19يناير سنة 1956 ,السنة العاشرة صفحة158

(3): الدكتور رأفت فودة-أصول وفلسفة قضاء الإلغاء – صفحة 481


81 views
  • Facebook Social Icon
  • Instagram
  • LinkedIn Social Icon
  • YouTube Social  Icon
  • Twitter Social Icon